الإدارةُ الأمريكيةُ توحدُ الفلسطينيين وقادتُهم يرفضون

لا تميز الإدارة الأمريكية في مواقفها، ولا تستثن أحداً بقراراتها، ولا تحابي فريقاً فلسطينياً وتستعدي آخر، ولا تصنف أحزابهم وتنظيماتهم إلى حمائم وصقور، ومعتدلين ومتشددين، بل تنظر إلى الفلسطينيين جميعاً بعينٍ واحدة، وترميهم كلهم عن قوسٍ واحدة، وتستهدفهم كلهم عن بكرة أبيهم، شباناً وشاباتٍ، وطلاباً وطالباتٍ، ومدارس وجامعاتٍ، ومستشفياتٍ ومصحاتٍ، ومؤسساتٍ ومنظماتٍ، وهيئاتٍ ووزاراتٍ، إذ تعتبرهم جميعاً من مكونات الشعب الفلسطيني، الذي يطالب بحقه، ويناضل لاستعادة وطنه، ويقاوم لتحرير أرضه، ويهدد بإصراره على مواقفه وجود الكيان الصهيوني، ويعرض ببقائه في أرضه وثباته على حقه الهوية الإسرائيلية والقومية اليهودية الآخذة في التشكل والساعية نحو التشريع والاعتراف.

تصفع الإدارة الأمريكية كلَ يومٍ القيادة الفلسطينية ومعها كل فصائل ثورتها، وتضرب عرض الحائط بكل الاتفاقيات الموقعة معها، والتفاهمات السابقة وإياها، وتتنكب لأي التزامٍ معها ولو كان ضمن اتفاقياتٍ دولية وتعهداتٍ أممية، وتنكث أي عهدٍ قديمٍ معها يتعارض مع مصالحها ويتناقض مع سياساتها، وتتخذ قراراتٍ مجحفة بحق الشعب الفلسطيني، تمس كرامته وعفته، وتهدد وجوده وهويته، وتتطاول بسياساتها على حقوقه ومقدساته، وتحاول بصفاقةٍ وسفورٍ، وصراحةٍ ووضوحٍ، تصفية القضية الفلسطينية وإنهائها، وشطب الشعب الفلسطيني وتشتيته، وتوزيعه في بلدان العالم ودول الجوار، وإلغاء هويته بجنسياتٍ أخرى يحملها، وتوطينٍ جديدٍ يفرض عليه، ليأمن الإسرائيليون في كيانهم، ويطمئن المستوطنون في مستوطناتهم، فلا يعود يوجد من يطالبهم بالرحيل، ولا من يهدد وجودهم ويزعزع استقرارهم.

فقد نقلت الإدارة الأمريكية سفارتها إلى مدينة القدس المحتلة، واعترفت بها عاصمةً أبديةً موحدةً للكيان الصهيوني، واعترفت بفلسطين وطناً قومياً للشعب اليهودي وحده، لا يساكنهم فيه غيرهم، ولا يستمع بحقوق المواطنة فيه سواهم، ولا ينازعهم عليه أحد، وأوقفت دعمها لمؤسسة الأونروا، وأطلقت النار على اللاجئين الفلسطينيين فأنكرت محنتهم ونفت عنهم صفتهم، وجردتهم من انتسابهم لأرضهم وتعلقهم بوطنهم، عندما نفت عنهم صفة اللجوء، وحرمت الأجيال الفلسطينية من حقهم المقدس في العودة إلى الوطن والإقامة في الديار، وقصرت صفة اللجوء على نفرٍ قليلٍ ممن بقي من أجدادنا الذين ولدوا في فلسطين وهاجروا منها، وجردت أولادهم وأحفادهم من هذا الحق الذي تكفله القوانين وتحفظه الشرائع، وتصر عليه النظم واللوائح.

واستطردت الإدارة الأمريكية في غيها ومضت سادرة في مراهناتها، وهي تظن أنها بهذه الإجراءات ستلوي عنق الشعب الفلسطيني وستكسر ظهره، وستجبره على التراجع والانكفاء، والخضوع والركوع، والقبول بما يعرض عليه، والموافقة على ما يقدم له، فأقدمت على إغلاق مقر منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، وهو المقر التي دأبت تهدد بإغلاقه ومنع العاملين فيه من القيام بأي أعمالٍ دبلوماسية انطلاقاً منه، أو استفادة من الحصانة الممنوحة للعاملين فيه، ثم أوقفت دعمها المقدم إلى مستشفيات القدس، وامتنعت عن تمويل العمليات الجراحية وتوريد الأدوية والمستحضرات الطبية، وأوقفت من قبل مساعداتها إلى السلطة الفلسطينية، وامتنعت عن تقديم المعونات التي اعتادت عليها، ثم أقدمت على سحب تعهداتها برعاية الأنشطة الشبابية والمساعدات الطلابية الفلسطينية، وقررت توجيه هذه المساعدات إلى نظائرها الإسرائيلية.

وفي الأمم المتحدة تتصدى الإدارة الأمريكية لأي محاولاتٍ عربيةٍ أو فلسطينية لمحاكمة قادة الكيان الصهيوني، أو تقديم شكوى ضدهم أمام المنظمات الدولية، وتقف المندوبة الأمريكية في مجلس الأمن نيكي هايلي تدافع عن الكيان الصهيوني، وتصد أي هجومٍ عليه، وتبطل أي قراراتٍ دولية تستهدفه، وتمنع أي محاولة لإدانته أو تحميله المسؤولية، في الوقت الذي تسعى فيه لإدانة القوى الفلسطينية وتجريمها، وحث المجتمع الدولي على حصارها ومجابهتها، حيث تصفها بأنها قوى إرهابية تستهدف حياة المواطنين الإسرائيليين، ولا تتردد في تهديد من يقف في وجهها أو يعترض على خطابها، أو يحاول المساس بربيبة إدارتها.

تطلق الإدارة الأمريكية نيرانها السياسية على المجتمع الفلسطيني كله، وتستخدم معوناتها المالية ومساعداتها المادية ضد كل مكوناته السياسية والاجتماعية، ولعلها كانت تخشى جراء سياستها أن تساوي بين الفلسطينيين وتقرب بينهم، وتوحد صفهم وتجمع كلمتهم، وتجعل منهم جبهةً واحدة متراصة ضدهم، إلا أن هذه النتيجة المنطقية لم تتحقق، والوحدة الطبيعية لم تقع، والتفاهم بين قوى الشعب الفلسطيني ما زال صعباً بل متعذراً وبعيد المنال، فاطمأنت الإدارة الأمريكية إلى أن قراراتها قد تؤتي ثمارها، وقد تحقق الغاية المرجوة منها، طالما أن قادة الشعب الفلسطيني يتصرفون بغباء، ويواجهون بعبطٍ، ويصرون على المضي في خلافاتهم إلى الأبد، وكأنه لا أخطار تهددهم وقضيتهم، وتستهدفهم وأشخاصهم، وتريد الفتك بهم وبشعبهم.

يبدو أن القيادة الفلسطينية، سلطةً وفصائل، وأحزاباً وقوى، ورئاسةً وحكومة، ومقاومين ومفاوضين، لا يعقلون ولا يميزون، ولا يفكرون ولا يفهمون، ولا يتعظون ولا يتعلمون، وكأنهم مصابون بأمراضٍ عقليةٍ مستعصيةٍ، وعقدٍ نفسيةٍ مستحكمة، إذ لا يعون ما يجري حولهم ولا يحسون بما يحدث لهم، ولا يعيشون واقعهم ولا يشعرون بمن معهم، ولا تهمهم سوى مصالحهم ولا تعنيهم مصالح شعبهم، ولا تقلقهم هموم أهلهم ولا معاناة أبناء وطنهم، إذ يسعون لمنافعهم، ويتمسكون بمكاسبهم، ويتشبتون بمواقفهم، ولا يحرجهم تميزهم عن غيرهم، أو اختلافهم عن أبناء مناطقهم، إذ يجتهدون في تأمين أنفسهم وأسرهم وعائلاتهم، ويضمنون لهم مستقبل عيشهم وقوت يومهم، ويوفرون لهم سبل الحياة الرغيدة والعيش الكريم، في بيوتٍ فارهةٍ، ومساكن واسعة، في ظل كهرباء دائمةٍ لا تنقطع، وبيوتٍ مكيفةٍ، لا برد فيها ولا زمهرير، ولا حر فيها ولا هجير.

تتلقى القوى الفلسطينية كلها هذه القرارات بلا ردة فعلٍ إيجابيةٍ، أو صحوة ضميرٍ وطنيةٍ، كأن أحاسيسهم قد تبلدت، ومشاعرهم قد تجمدت، وعقولهم قد تحجرت، وقلوبهم قد غفلت، وضمائرهم قد ماتت، إذ يصرون على البقاء في مربع الاختلاف، ومواصلة لعبة إدارة مهزلة الانقسام البغيض، الذي يستفيدون من استمراه ويفيدون كثيراً من بقائه، فالانقسام يسفه الحكيم، ويذهب بعقل الحليم، ويفض جمع المخلصين، ويقصي عن القرار الصادقين، ويصنع منزلةً للمعدم، ويفسح مكاناً للتافه الحقير، والتابع الذليل، والمطية الضعيفة، الذين ينفذون سياسة العدو من حيث يعلمون أو لا يعلمون، فهل تستفيق قيادتنا الرسمية وفصائلنا الوطنية وتصحو من غفلتها، وتتنازل لبعضها من أجل شعبها وحرصاً على قضيتها، أم تدفن رأسها في الرمال، وتبقى سادرةً في تيهها وضلالها، وتكون شريكاً لعدونا في وأد شعبنا وتصفية قضيتنا.

ليلٌ لأنثى الكلام

بكَيتُ المَواضي
بكاني غَدي صوتَ فجرٍ لتيه
ليبكي البكاءُ بنا عاشقيه
***
نَعَيتُ الخَوالي
فَكُنت اقتِرافَ الزّمانِ جُنوني
وكُنتُ القَتيلَ سَبى قاتِليه
لأدخُلَ في حاضِرٍ لا يَراني
وأهرُبَ من حُلُمٍ أشتَهيه
وأزعُمُ أني رَسَمتُ حُدودًا
وصِرتُ جُنودًا
وخلفَ الزّمانِ تراءى لوهمي
فضاءٌ وملكٌ ترامى… تَناهى..
ولا مُلكَ فيه!
سآوي إلى البحر قلتُ، فَدوني
جبالٌ تَهاوت.. قلاعٌ تَذاوَت.. عروشٌ تَخاوَت…
ليعدو السرابُ على تابِعيه
سآوي إلى البحرِ أرجوهُ مَدّا..
فما عادَ يُمكِنُ أن أتَوانى عن الخوضِ بين حياتي ومَوتي
وهذا صعيدي صَحارى..
رمادٌ تَذارى..
فلا زَحفَ فيه
دخانٌ؛ ولا نار
جدارٌ؛ ولا جار
زمانٌ مضى يستَعيرُ زَمانًا لقبضةِ حاكِمِنا الأزَلي
ويَطعَنُ ظنًا أبى الظَّنُ ألا يرى الظَنَّ فيه
ففيهِ اختِلاطُ النّهارِ بلَيلٍ تَمَطى.. تَناهى
ليَبسُطَ سلطانَ قومٍ تَعامَوا على دُلجَتَيه
فَراغٌ يَدَيهِ؛ ويَصرُخَ ناموا
ليَسبي القتيلُ روى قاتِليه
ويَبسُطَ سلطانُ حلمي يَديهِ على خائِفيه
لكَ الليلُ مني لباسا
لك الصَّمتُ مني مَعاشا
فلُذ بي! ودَع عَنكَ شَرَّ النَّهار
لكَ الليلُ ستري، فَلُذ بالسِّتار!
لتعصِرَ خمرَةَ ليلٍ تَعَتَّقتُ فيهِ
وكنتُ المزاجَ، وكنتُ الحلالَ، وكنتُ الحَرام..
وشَرَّعتُ عُذري لأنثى الكلام
فنامت.. ونام…
سلامٌ عليَّ
عليَّ السلام…

رئاسةُ بلديةِ القدسِ للأكثرِ تطرفاً والأشدِ يمينيةً

هل انتهت مرحلة نير بركات رئيس بلدية القدس الحالي، وجاء الوقت لاستبداله برئيسٍ آخر أكثر تطرفاً منه، وأشد يمينيةً في فكره وعنصريةً في سياسته، وأكثر عدوانيةً تجاه السكان العرب، بعد أن أنهى البرامج التي جاء من أجلها، ونفذ المخططات التي كان يتطلع إليها، وأدى الخدمات التي كانت مرجوةً منه ومرتبطةً به، علماً أنه كان عند انتخابه الأكثر تطرفاً والأشد يمينيةً والأسوأ عنصريةً، والأكثر كرهاً للعرب وحرصاً على ترحيلهم من مدينة القدس، وتجريدهم من هويتها وحرمانهم من خدمات بلديتها، ولعله ما زال من المحسوبين على التيار الأكثر تشدداً وتطرفاً، ولولا القوانين الضابطة للانتخابات والمنظمة للبلديات، وإعلانه المسبق عدم رغبته في ولايةٍ ثالثةٍ، لربما يعاد انتخابه من جديد رئيساً لبلدية القدس.

لكن يبدو أن السياسة الجديدة والمرحلة الراهنة قد أفرزتا من هو أكثر يمينيةً منه، وأشد حماسةً في تنفيذ برامج الفصل العنصري والعزل القسري، فكان لا بد من العمل على تثبيت الجديد وإزاحة الأول بعد توجيه الشكر والعرفان له، إذ في عهده توسعت حدود بلدية القدس، وتضاعفت مداخيلها المالية، وازداد عدد سكانها اليهود، في الوقت الذي تناقصت فيه أعداد السكان العرب، وهُدمت الكثير من مساكنهم، وفرضت عليهم ضرائبٌ باهظة وغراماتٌ ماليةٌ عالية، أدت إلى انكماشهم وتقليص أعدادهم وركود اقتصادهم، لهذه الأسباب وغيرها يحرص نتنياهو وحزبه على شكر نير بركات قبل رحيله، وتقديره قبل وداعه، على أن يسلم الراية من بعده لأمينٍ على مبادئه، وحريصٍ على أفكاره، ولقادرٍ على تنفيذ مشاريعه.

رسمياً فتحَ بابُ انتخابات رئاسة بلدية القدس، وترشح لرئاستها عشرة مرشحين يتنافسون على التطرف، ويتسابقون في العنصرية، ويتفقون في أفكارهم اليمينية القومية المتشددة، ومباشرةً وصراحةً وبوضوحٍ رشح رئيس حزب الليكود ورئيس الحكومة الإسرائيلية أحد أبرز أعضاء حزبه المتطرفين لرئاسة البلدية، وأعلن عن تأييده ترشيح زئيف ألكين لهذا المنصب الكبير والحساس، خاصةً بعد التطورات السياسية والديمغرافية الكبيرة التي طرأت على مدينة القدس، والتي كان آخرها اعتراف الإدارة الأمريكية بها عاصمةً أبديةً موحدةً للكيان الصهيوني، ثم قرار نقل السفارة الأمريكية إلى قلب المدينة العربية، والشروع في تنفيذ القدس الكبرى على حساب البلدات العربية فيها، وعلى حساب أراضي المدن الفلسطينية المحيطة بها، فكان لا بد لهذه المرحلة من رئيسٍ قويٍ لبلدية القدس، يكون قادراً على تنفيذ ما بقي من المخططات الاستيطانية والتهويدية، لهذا اتجه نتنياهو نحو وزيره وعضو حزبه زئيف ألكين ليكون هو رئيس البلدية المرتقب.

لم يأت ترشيح زئيف ألكين من الفراغ، ولا لأنه وزير في حكومة نتنياهو ومقربٌ منه وحسب، بل لأنه يريد أن يعزل السكان العرب الفلسطينيين في مدينة القدس، ويتطلع إلى إخراجهم من نطاق المدينة، ويخطط لحرمانهم من خدماتها البلدية، وتجريدهم من حقوقهم فيها، ويخطط لتسمية مجلسٍ محلي محدود السلطة والصلاحيات لإدارة البلدات والتجمعات الفلسطينية في المدينة، ويرى أن القدس تستحق أن يضحي من أجلها بمقعده الوزاري، وبعضويته في مجلس الأمن، وقد صرح قبيل إعلان نيته ترشيح نفسه لرئاسة البلدية أن “القدس تواجه تحدياً وطنياً فائق الأهمية”.

كما يبدي زئيف ألكين قلقه الشديد من تزايد أعداد الفلسطينيين في الحدود الإدارية للمدينة، ولهذا يخطط لفرض قيودٍ وضوابط جديدةٍ من شأنها أن تقود إلى تقليص أعدادهم، والتضييق عليهم فيما يتعلق بشروط الإقامة وتصاريح البناء فيها، وهو لا يخفي رغبته في أن تكون مدينة القدس عاصمة كيانه ومقر مؤسساته الرسمية، مدينةً يهوديةً خالصة، يسكنها اليهود وحدهم، ويخرج منها العرب كلهم، ويستمتع بحق الإقامة فيها العلمانيون اليهود تماماً كما المتدينين، حيث يخطط لسن قوانين وتشريعات تحفظ حقوق الحريديم، وتحد من هيمنة وسيطرة المتدينين الذين ينفرون بقوانينهم وسلوكياتهم الآخرين، وبذا يفتح المجال واسعاً أمام العلمانيين للإقامة والعمل والاستثمار في المدينة.

زئيف ألكين وزير حماية البيئة، المسؤول عن ملف القدس في حكومة نتنياهو، وعضو المجلس الوزاري الأمني المصغر، ونائب وزير الخارجية الأسبق، الحائز على شهاداتٍ عليا في تاريخ الشعب اليهودي، قد جعل من أهم المهام المنوطة بوزارته حماية الطابع اليهودي لمدينة القدس، والحفاظ على هويتها وصيانة تراثها القديم، لتبقى هويتها يهودية، هو أحد عشرة مرشحين لرئاسة البلدية، وقد لا يختلف عن منافسيه الآخرين لجهة التطرف والعنصرية، لكن يبدو أنه الأوفر حظاً والأقرب إلى الفوز بهذا المنصب بالنظر إلى الدعم الكبير الذي يتلقاه من رئيس حكومة الكيان بنيامين نتنياهو، إلى جانب إقامته لفترةٍ طويلةٍ في مدينة القدس، قبل أن ينتقل للسكن في إحدى مستوطناتها، وتأييده للقوانين العنصرية الإسرائيلية، ورفضه فكرة حل الدولتين.

هل نحن مقبلون على رئيس بلدية ما قبل بناء الهيكل الثالث، الذي سيشرف بنفسه على ذبح البقرة الحمراء التي حل زمانها حسب اعتقادهم، وسيشرع في جلب حجارة الهيكل ونسج ثياب البنائين، وبناء الكُنس المبشرة بالخلاص والممهدة بالعودة، وسيعمد إلى تفريغ القدس من سكانها العرب، وجعلها مدينةً يهودية نقيةً لا يسكنها غيرهم، ولا يقيم فيها سواهم، تمهيداً لحقبة نهاية العالم وانتهاء التاريخ.

الجمهور يختار فيلم “Green Book” كأفضل فيلم روائي طويل

بناء على ترشيحات الجمهور فاز الفيلم الأميركي “كتاب أخضر” للمخرج بيتر فاريللي بجائزة أفضل فيلم روائي طويل، في ختام فعاليات مهرجان تورنتو السينمائي في دورته أل “43” الذي شاركت فيها “74” دولة بعرض 254 فيلم طويل ، و88 فيلم قصير تم اختيارهم من بين 7926 فيلماً في الفترة من 6 ــ 16 سبتمبر 2018م ، وتعد جائزة ” الجمهور” الجائزة الأولى للمهرجان والأكبر أيضاً حيث يمنحها الجمهور للأفلام التي عرضت علي شاشات المهرجان ، وذلك بعد أن يتم التصويت على ثلاث مراحل تصويتية وتحسم نتيجة التصويت للفيلم الفائز في المرحلة الثالثة.

وتدور أحداث الفيلم خلال فترة الستينات في وقت عدم حصول السود الأمريكيين في ذاك الوقت على حقوقهم المدنية بالكامل، وذلك بتسليط الضوء على العلاقة بين عازف بيانو أفريقي أمريكي يقوم بجولة موسيقية مميزة من مانهاتن إلى جنوب أميركا وبين سائقه الأميركي ذات البشرة البيضاء والذي ينحدر من أصول إيطالية وله ميول عنصرية ولم يكمل تعليمه ألا للصف السابع ، حيث عمل “موتنسن” السائق على استخدام  “كتاب نيغرو ماربري الأخضر” لإرشادهم إلى المؤسسات القليلة التي كانت آمنة للسود في ذاك الوقت،  ولمواجهة العنصرية والخطر يُجبرون على تنحية الخلافات جانباً وإقامة روابط صداقة مشتركة تجمعهما متحدين فوارق اللون والخلفية الثقافية والمجتمع، والفيلم من إخراج بيتر فاريلي، مخرج أفلام Dumb and Dumber، وThere’s Something About  Mary كما شارك في بطولته النجم فيجو مورتينسين، والنجم ماهرشلا علي، في أول عمل سينمائي له، عقب حصده جائزة الأوسكار العام قبل الماضي عن فيلم “ضوء القمر”.

ويتوقع الكثير أن يكون للفيلم نصيب للترشح لجوائز الأوسكار، خاصة بعد أن فاز فيلم “Three Billboards Outside Ebbing”بجائزة الجمهور في المهرجان ذاته في دورة العام الماضي ليتمكن بعدها من حصد 7 ترشيحات أوسكار، فحصل على جائزتي تمثيل واحدة لفرانسيس ماكدورماند والأخرى لسام روكويل.

وقد فاز فيلم  Brotherhood للمخرجة ميريام جوبيور عن فئة أفضل فيلم كندي قصير، أما جائزة أفضل فيلم قصير ففاز بها The Field من إخراج سانديا سوري، وفاز بجائزة أفضل فيلم كندي طويل The Fireflies Are Gone، وجائزة أفضل فيلم روائي طويل فاز بها Roads in February من إخراج كاثرين جيراكوفيتش. ونال فيلم The Third Wife جائزة أفضل فيلم أسيوي، أما جائزة الاتحاد الدولي للنقاد السينمائيين فكانت من نصيب فيلم  Skin، أما جائزة «جنون منتصف الليل» المخصصة لأفلام الرعب فذهبت إلى فيلم The Man Who Feels No Pain.

فيلم the green book
فيلم the green book

دراسة علمية تحذر من استخدام مجففات اليد الهوائية بالمستشفيات .. تعرف على السبب

كشفت دراسة علمية حديثة، أشرف عليها باحثون بريطانيون، أن مجففات اليد الهوائية فى مراحيض المستشفى تنشر جراثيم أكثر من المناشف الورقية التى تستخدم لمرة واحدة ولا ينبغى استخدامها.

ووفقاً لموقع صحيفة “ديلى ميل” البريطانية، قال الباحثون من جامعة ليدز، إن الإرشادات الرسمية حول كيفية منع التلوث البكتيرى فى مبانى المستشفيات تحتاج إلى سيطرة.

وفى الوقت الحالى، تقول إرشادات وزارة الصحة البريطانية، يمكن وضع مجففات الهواء فى المراحيض بالمناطق العامة فى المستشفى، ولكن ليس فى المناطق التى يوجد بها المرضى، وهذا ليس بسبب المخاطر التى تشكلها من حيث التلوث بل لأنها صاخبة.

وقال “مارك ويلكوكس”، أستاذ علم الأحياء الدقيقة الطبية بجامعة ليدز والذى أشرف على الدراسة الدولية، إنه يجب تغيير توجيه هيئة الصحة البريطانية لمنع مجففات اليد الهوائية، لأنها أخطر من حيث انتشار الجراثيم أكثر من المناديل الورقية.

وأكد “ويلكوكس” أنه عندما يستخدم الناس مجفف الهواء النفاث تنفجر الميكروبات وتنتشر حول غرفة المرحاض، وجميع الأسطح الأخرى، فإذا لمس الناس تلك الأسطح فإنهم يخاطرون بأن يصبحوا ملوثين عن طريق البكتيريا أو الفيروسات.

عذوبة وصلاة وقناديل

(1)

ارمِ نفسك داخل القنديل

واخترق لظى النّور واحترق

غِب وأنت حاضر

واحضر وأنت غائب

تمثّل بالجسد حين ينغمس في أبعاد التّراب

واحذُ حذو الرّوح الغارق في الجهات السّبع

الحقيقة أن تعشى

لا أن ترى

أن تتجاهل الرّماد وتتسلّق حبال الصّلى

تبلغ قمماً يشعلها الماء

(2)

أَطفئ الشّمس لنرحل

ونلتقي

قبل أن تتمرّدَ الطّرقات وتثور الأمكنة

قبل أن يعيَ الزّمن قسوة الجمال، فيهجر ذاته ويلحق بنا

اللّيل ملاذ الرّاحلين

الظّلمة سراج الخطى نحو النّور حيث لا

نرى، نبصر. نهتدي. نعاين. نقرع حتّى يُفتح لنا.

وإذا بالوجه الّذي لا نعرف المجد لولاه

يبتسم ويعانق يقظة الكمال

(3)

إذا رأيتَ حسنَهُ مع الفجر بازغاً

تأدّبَ الحسُّ، تنقّى النّظر

وإذا هَمَّت روحُك تطرقُ أبواب الجمال

رَتَّلَ جبينُه ترانيم تسنيمٍ

يجري فوق يديه

يوقظُ في ضمير العشقِ

غبطةً

تكشفُ اللّغةُ بعضها

وتموت.

(4)

بين بحر وسماء

يلتفّ على نفسه

يتكوّر في ركن الحلم

ويفيض

كنور الصّباح الخجول

عذوبته صباح آخر

ذاك الّذي يليه مساء أنشودة الخلق الأولى، قبل أن مسّت يد الله التّراب، بعد أن

امتزجت أنفاسه بالحَسَنِ جدّاً

أُصغي إلى تطوافه حول النّجوم

أُنصتُ إلى قلبه المتجذّر في الأثير

المعلّق

بين بحر وسماء

العربُ والجيلُ الرابعُ من الحروبِ الاستعماريةِ

لا يوجد فترات هدوءٍ لدى الدول الاستعمارية الكبرى، فهي لا تستريح إلا لتنطلق من جديد، ولا تتوقف إلا لتستأنف بقوةٍ مرةً أخرى، وهي لا تضيع أوقاتها، ولا تفقد بوصلتها، ولا تضل طريقها، ولا تخطئ هدفها، وهي تعرف غاياتها، وتحدد بدقةٍ مسارها، ولكنها دوماً تغير في أسلوبها، وتشكل في طرقها، إلا أنها لا تتوقف عن سياستها الاستعمارية، ولا يموت عندها نهم التوسع وغريزة القوة والبقاء، وحب السيطرة وجنوح العظمة، والرغبة في الاحتواء والهيمنة، والسيطرة والتحكم، وإلا فإنها تنتهي وتتلاشى، وتصبح هدفاً للأقوياء، وعرضة لغزوات الكبار، الأمر الذي يجعلها دائماً في حالة ترقبٍ واستنفار، وجاهزة لاستهداف الخصوم ومهاجمة الأعداء، أو المبادرة لتحقيق المكاسب وتسجيل الانتصارات.

الدول الاستعمارية الطامعة في بلادنا وخيراتنا، والخائفة على الكيان الصهيوني والحريصة عليه، لم تعد مضطرةً إلى احتلال بلادنا وغزوها، وتدمير مؤسساتنا وإفشالها، وتحطيم قدراتنا العسكرية، وتخريب أنظمتنا الدفاعية، واستهداف منظوماتنا الهجومية والقتالية، وضرب منصات صواريخنا بعيدة ومتوسطة المدى، أو تدمير طائراتنا المقاتلة على مدارجها في المطارات، أو أثناء تحليقها الاستعراضي في الجو، وتفكيك جيوشنا الوطنية وتسريح جنودنا البواسل، والقضاء على روح الخدمة العسكرية والوطنية في بلادنا لدى أبنائنا وأجيالنا.

إن كل هذه الأهداف الكبيرة وغيرها مشروعة ومطلوبة، وملحة وعاجلة، ولا يمكن تجاهلها أو إهمالها، إلا أن الدول الاستعمارية لم تعد مضطرة لأن تنجز هذه المهام وتحقق كل هذه الأهداف بنفسها، ولم يعد يلزمها تسيير الجيوش وتحريك الأساطيل، والنزول على الأرض وفي الميدان لمواجهة الخصوم، أو اقتحام المواقع واجتياز خطوط النار، إذ فضلاً عن أن وكلاءها ينوبون عنها ويقومون مقامها، فهي لم تعد تستطيع تقديم ضحايا بشرية في سبيل مشاريعها القومية وأحلامها التوسعية.

فقد انتهى وفق نظرياتها زمن الحروب التقليدية المكلفة، والمعارك البرية القاسية، وعمليات المقاومة الموجعة، التي كبدتهم الكثير من الخسائر في الأرواح، وقد كانوا بفعل المقاومة يضطرون لبناء مقابر في أرض المعركة لجنودهم، أو نقل جثامين قتلاهم في توابيت طائرة، ملفوفة بأعلام بلادهم إلى عواصمهم، الأمر الذي كان سبباً في اندلاع الثورات ضدهم، وتحريك الشعوب ضد سياساتهم، وقد نجحت بعضها في إلزام حكومات بلادها بالانسحاب والتراجع، وإنهاء القتال والعودة إلى البلاد.

فهل وجدت الدول الاستعمارية ضالتها في الجيل الجديد من الحروب التي تسمى بالجيل الرابع، التي تدار بالوكالة، وتشغل بالمستخدمين، ويقوم بها العمال والأجراء، والدهماء والغوغاء، والعصابات المسلحة والمجموعات المنظمة، والقوى المحلية والشركات الأجنبية المستأجرة، ويسعر أوارها ويزيد من لهيبها الجهلة والسفهاء، والمجرمون والقتلة، وتحرك نارها العصبيات الدينية والقوى المذهبية، والطائفية السياسية والاثنية القومية، وغيرهم من القوى التي ضلت طريقها، وأخطأت مسارها، وسلمت للعدو قيادها، وقبلت أن يكون خطامها بيده، وأمرها منه، وقرارها الصادر عنه.

نجحت الدول الاستعمارية في زعزعة الاستقرار في بلادنا، وبث الخوف في أوطاننا، وتخويف أبنائنا وإرهاب شعوبنا، ومزقت مجتمعاتنا، وزرعت بيننا جماعاتٍ ليست منا، ولا تنتسب إلينا، بثت فينا الفرقة، وصنعت بيننا الفتنة، وأحدثت في صفوفنا مقتلةً عظيمة، لم يكونوا في حاجةٍ أبداً لأن يكونوا هم على الأرض، ويلعبوا بأنفسهم هذه الأدوار التخريبية، بل أوكلوها إلى بعضٍ من شعبنا، ممن قبلوا أن يلعبوا أدواراً قذرة، وأن يتموا ما بدأه الاستعمار قديماً، وما خطط له حديثاً.

إلا أن الوكلاء المارقين قد أجادوا الدور وأحسنوا المهمة، وقاموا بأكثر مما كان يحلم به الاستعمار ويتمنى، ومضوا بغباءٍ مقيتٍ وساديةٍ ملعونةٍ في تخريب البلاد وتقويض الأوطان، وهم يظنون أنهم بعد إتمام مهمتهم سينصبون عليها قادةً وحكاماً، وسيتوجون فيها ملوكاً ومراءً، وما علموا أن الاستعمار سيلفظهم، وسيتركهم ويتخلى عنهم، وأنه كما استخدمهم لتنفيذ أغراضه، فإنه سيستخدم غيرهم ليقضي عليهم ويتخلص منهم.

تريد الدول الاستعمارية بالقوى المحلية المتحاربة، إنهاك بلادنا، وتبديد ثرواتنا، وتشتيت جهودنا، وتشريد أبنائنا، وتآكل هياكلها وسقوط قيمها ومفاهيمها، وقد أصبح بإمكانها من خلال سياسات الحصار العام والعقوبات الاقتصادية المؤلمة، تدمير الاقتصاد، وانهيار العملة الوطنية، وتراجع القدرات الإنتاجية، والتسبب في حدوث انكماشٍ اقتصادي، وحالة من الركود والبطالة، تجعل المجتمع خرباً، والاقتصاد هشاً، والحياة العامة معطلة، وبات هدفها خلق دولٍ فاشلة، تعجز عن حماية أنفسها، ولا تقوى على تهديد غيرها، بل تطلب العون والنصرة من أعدائها، لظنها أن عدوها بات صديقاً لهم، لا يهدد أنظمتهم، ولا يزعزع الاستقرار في بلادهم، ولا يطمع في ثروات أوطانهم.

هذه النظريات الاستراتيجية الجديدة التي اعتمدتها الدول الاستعمارية وفي المقدمة منها الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية وإلى جانبها ربيبتها بريطانيا، تكشف بوضوحٍ عن كثيرٍ من الألغاز والغموض التي رافقت واكتنفت السنوات السبع العجاف الماضية، التي أطلق عليها اسم “الربيع العربي”، فقد آتت ثورات الربيع العربي للغرب الثمار المرجوة والأُكل المطلوبة، التي كانوا يحلمون بها ويتمنونها، فقد فككوا دولنا العربية، وعمقوا الخلافات البينية بينها، وأسسوا لسياسات الحصار والعزل، والإقصاء والطرد، ودمروا أكبر الجيوش الوطنية العربية، وشغلوها عن القضايا الأساس التي تقوم عليها عقيدتها القتالية، وما زالوا يخططون لتدمير ما بقي أو سَلِمَ من الجيوش العربية، وتسببوا في حدوث أوسع موجات هجرةٍ عربيةٍ، عمادها الشباب والطاقات العلمية والفكرية، وزهرة أبناء الأمة العربية، الذين يشكلون عماد الجيوش وقلب أنظمتها الدفاعية.

لن يمضي وقت طويل قبل أن نكتشف أننا كنا جميعاً ضحايا لعبة دولية كبرى، وأننا كنا دمىً صغيرة وأدواتٍ رخيصة في أيدي اللاعبين الكبار، الذين عبثوا بنا وقامروا بأمننا، وتاجروا بدمائنا واستولوا على خيرات بلادنا، واستخدمونا في الجيل الرابع من الحروب كما باعوا لنا من قبل الجيل الرابع من الاتصالات التجسسية، فساقونا جميعاً إلى فوضى مدمرة، وحروبٍ عبثية، وأشعلوا في أوطاننا ثوراتٍ وهميةٍ، عصفت باستقرارنا، وأفسدت حياتنا، وحرفتنا عن مسارنا، وزينت لنا عدونا، وشوهت في عيوننا أصدقاءنا، لكننا لم نتعلم الدرس، ولم نأخذ العبرة، ولم نعِ من المحنة، ولم نوقف المجزرة، ولم ننه المهزلة، وما زالنا كالمواشي والأنعام، نساق كل صباحٍ إلى ذات المسلخ، ونذبح فيه كل يومٍ على يد ذات الجزار وبسكينه من جديد.

المجتمع الريعي نتاج الاقتصاد الريعي -الخصائص والآلية –

الاقتصاد الريعي الذي يعتمد على الموارد الاولية وبحكم غياب الادارة الكفوءة ضعف الإرادة الجادة وفقدان الرؤيا الاستراتيجية لمستقبل الاقتصاد سيولد بالضرورة مجتمعاً ريعياً تابعاً.

ان السجال لم يُحسم إلى الان بين الدولة الريعية والاقتصاد الريعي حول أيهما يولد الآخر ولكن هناك شبه إجماع حول مصدرهما أي إن مصدرهما هو الريع الخارجي، فالاقتصاد الريعي هو الاقتصاد الذي يعتمد في دخوله النقدية على العالم الخارجي كنتيجة لتصدير الموارد الأولية التي تتسم بتذبذبها وانخفاض مرونة الطلب عليها.

 وإن اعتماد الاقتصاد في توليد دخوله النقدية على الريع الخارجي يولد الكثير من المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، في حال انعدام الرؤيا الاستراتيجية وغياب الإدارة الكفوءة والإرادة الحقيقية لدى أصحاب القرار والمسؤولين الحكوميين. وعلى الرغم من تداخل تلك المشاكل فيما بينها التي يولدها الاقتصاد الريعي، إلا إننا سنركز قدر الإمكان على مسألة خلق المجتمع الريعي بفعل الاقتصاد الريعي في هذا المقال.

التعريف

يعرف الاقتصاد الريعي على انه “ذلك الاقتصاد المدعوم بالإنفاق جوهرياً من قبل الدولة، إذ تصبح الدولة وسيطة بين القطاع الريعي والقطاعات الاقتصادية الاخرى، أي انها تتسلم العائدات الريعية ومن ثم تخصصها إلى فروع النشاط الاقتصادي الاخرى من خلال برامج الانفاق العام”[i]، ويقصد بالمجتمع الريعي “جميع الفئات الاجتماعية المستفيدة من الريع وتعمل هذه الفئات على تعميق الحالة الريعية لحماية المصالح الشخصية وان كان على حساب الفئات الاخرى في المجتمع وقد تنشأ هذه الفئات نتيجة الصلة أو القرابة بالسلطة الريعية الحاكمة” [ii].

يتضح من خلال التعريفين أعلاه هناك طرفين هما الدولة التي تأخذ وظيفة رصد التخصيصات وتوزيعها على الطرف الثاني وهو الفئات المستفيدة وهذه الفئات لا تحاول رفض وإزاحة هذا النظام كونها مستفيدة ولا تدرك معنى المصلحة العامة وحقوق الجميع بهذه الثروات اي انها تمارس تصرفات حيوانية لا يعنها شؤون الآخرين وبهذا هي تكون كالحيوانات المفترسة.

 وحتى يكون المقال واضحاً ولا يكتنفه الغموض ولا يربك القارئ الكريم سنذكر المثال الواضح لدى اغلب الاقتصادات الريعية ألا وهو النفط الخام بالنسبة للبلدان التي تعتمد عليه بشكل كبير جداً.

خصائص الاقتصاد الريعي النفطي

لكل اقتصاد مجموعة من الخصائص التي تميزه عن الاقتصادات الاخرى ويمكن توضيح أهم الخصائص التي توضح الاقتصاد الريعي النفطي بالآتي:

اقتصاد متذبذب، الاقتصاد النفطي هو اقتصاد ريعي وبما ان النفط يتميز بتذبذب اسعاره كنتيجة لأسباب سياسية واقتصادية ومناخية لذا فان الاقتصاد المعتمد على النفط سيكون متذبذب أيضاً خصوصاً في ايراداته ونفقاته وصادراته واستيراداته وانتاجه الاقتصادي واحتياطياته النقدية وغيرها، ولا يمكن للحكومات الوطنية من تحديد أسعاره وتثبيتها لان أسعاره تتحدد في الاسواق الدولية.

اقتصاد غير عادل، من المعروف إن النفط ثروة وطنية عامة تشمل الجميع الاجيال الحالية واللاحقة ولا يحق لاحد التصرف بها وفقاً لمصالحه الخاصة لا حكومة ولا أفراد، لكن ان الثروة النفطية تقتصر على الحكومات ومن يرتبط بها في الوقت الحاضر وهذا ما يؤدي الى غياب العدالة بين افراد الجيل الحالي، وإن استمرار الاعتماد على النفط وعدم التفكير في إيجاد مصادر أخرى للإيرادات سيؤدي إلى نضوب النفط وبالتالي حرمان الاجيال اللاحقة من حوقهم النفطية وهذا ما يعني غياب العدالة بين الاجيال الحالية واللاحقة.

اقتصاد الدولة، في الغالب البلدان النفطية وخصوصاً النامية يكون الاقتصاد تابع للدولة بل هي المتحكمة فيه فيكون لها الدور الأكبر في الاقتصاد، فتقوم بتصدير النفط وتحويل العملات الاجنبية الناجمة عنه إلى المجتمع عبر نافذة الانفاق العام وخصوصاً الانفاق الاستهلاكي (التشغيلي) في المالية العامة دون الاهتمام بكيفية استحداث مصادر اخرى للإيرادات تعوض حقبة ما بعد النفط.

اقتصاد الإقصاء، أي ان الاعتماد على النفط في تمويل الاقتصاد سيسهم في إقصاء القطاعات الاخرى وعدم الاهتمام في تفعيلها ما دام النفط هو الملبي للاحتياجات المحلية فضلاً عن صعوبة رفع الايرادات الضريبة او خفض الانفاق العام وخصوصاً الانفاق الاستهلاكي هذا من جانب ومن جانب آخر ما دام الدولة هي التي ستكون المتحكمة ستؤدي إقصاء القطاع الخاص وتهميشه لأنها تريد فرض سيطرتها على الاقتصاد والمجتمع.

اقتصاد عسكري، أي ان غالب الدول التي يعتمد اقتصادها على الريع تذهب لتحصين نفسها من اي قوى معارضة وذلك من خلال الاهتمام بالجانب الامني والدفاعي عبر بوابة الانفاق العام.

خصائص المجتمع الريعي

البطالة، يعاني المجتمع الذي على النفط بشكل كبير من البطالة في كل انواعها وشرائحها وذلك بسبب غياب الارادة الجادة وسوء إدارة الاقتصاد بشكل عام والثروة النفطية بشكل خاص إذ إن توفر الإرادة الجادة والادارة الكفوءة للاقتصاد والثروة النفطية سيفضي بلا شك إلى تقليص حجم البطالة أدنى مستوياتها.

الاتكالية، المجتمع الريعي النفطي هو مجتمع تعلم على إعالة الدولة له ولا يفكر كيف يقتات من عمل يده بل يشعر دائماً انه ابناً لها وهي أباً له، وحتى وإن لم تحقق له شيئاً فيظل أمله معلق عليها وهذا ما يجعله دائم الاتكاء عليها.

التفكك، بحكم قيام الدولة بتوزيع الريع النفطي على بعض فئات المجتمع هذا ما يؤدي إلى تفكك المجتمع بين فئتين أو أكثر بين الدفاع وحماية النظام القائم واخرى ترفضه وتطالب بإعادة بناء الاقتصاد بالشكل الذي يخدم الجميع.

أمي، ترتفع نسب الامية في المجتمع الريعي النفطي وذلك بحكم إن الدولة لا تريد أن تخلق لها معارضين يكونوا مؤسسات ومنظمات تهتم بمسألة الشفافية والمحاسبة لها لان من يقوم بهذا هو الانسان المتعلم وليس

الجاهل ولذا ترتفع نسب الامية في صفوف المجتمع الريعي.

الرضا، يشعر المجتمع الريعي النفطي بالرضا تجاه الدولة كونها لا تفرض عليه الضرائب ولا يشعر بان حقوقه مسلوبة من قبل الدولة فينتفض عليها بالرقابة والمحاسبة!

آلية خلق المجتمع الريعي

بعد إن تم توضيح المصطلحين (الاقتصاد الريعي) و(المجتمع الريعي) وخصائصهما الآن سيتم توضيح الآلية التي عن طريقها يقوم الاقتصاد الريعي بإنتاج المجتمع الريعي وكما يلي:

– الاقتصاد الريعي النفطي ذو صناعة كثيفة رأس المال كون هيكل راس المال في الصناعة النفطية يكون أغلبه من العناصر الثابتة التي تشمل (المكائن والمعدات والانشاءات) وتصل نسبة هذه المجموعة الى 80% مقارنة مع نسبة رأس المال المتغير[iii]، فضلاً عن ضخامة رؤوس الاموال التي تتطلبها الصناعة النفطية للقيام باستثمارات كبيرة بحكم تعدد وتنوع مراحل وعمليات استغلال النفط، وهكذا ما سيجعل الأقلية تعمل وتدخل ضمن دائرة النشاط الاقتصادي والأغلبية من السكان خارج النشاط الاقتصادي بحكم طبيعة الاقتصاد النفطي ويعيشون على ما تنتجه الأقلية عبر قيام الدولة بتوزيع الريع النفطي وبهذا اصبح مجتمعاً ريعياً.

– ان انتعاش القطاع النفطي بفعل أهميته الدولية، سيؤدي إلى رفع اجور ومرتبات العاملين فيه وهذا ما سيشجع العاملين في القطاعات الاخرى الى الانتقال للعمل فيه رغبة بالأجور والمرتبات المرتفعة ولكن بما إن القطاع النفطي وكما ذكرنا آنفاً، إنه ذو صناعة كثيفة رأس المال فهو لا يستوعب الايدي العاملة المنتقلة اليه بالإضافة إلى صعوبة استجابة الايدي العاملة لمهارات الصناعة النفطية المطلوبة وهذا ما يعقد المشكلة فيزداد حجم البطالة وتدخل ضمن الفئات المستفيدة أو غير المستفيدة من الريع النفطي.

– بالإضافة إلى ما تقدم، إن زيادة العملة الاجنبية في الاقتصاد المحلي كنتيجة لزيادة الصادرات النفطية سيولد المزيد من الطلب على العملة المحلية وهذا ما يؤدي إلى رفع قيمة العملة المحلية والذي يعني ارتفاع اسعار المنتجات الوطنية أمام المستورد الأجنبي وهذا ما يدفع هذا المستورد إلى تقليص الطلب على المنتجات الوطنية ليس هذا فحسب بل ان ارتفاع قيمة العملة المحلية امام العملية الاجنبية هذا يعني إن اسعار المنتجات الأجنبية ستكون أقل من أسعار المنتجات الوطنية وهذا ما يؤدي إلى زيادة الطلب المحلي على المنتجات الأجنبية والتخلي عن المنتجات الوطنية فتضطر الصناعات الوطنية إلى التقليص من عملياتها الانتاجية وهذا ما يفضي إلى تسريح الأغلب من الأيدي العاملة في القطاع الخاص الى جيوش البطالة والبطالة المقنعة في القطاع العام.

– إن من يقوم بإنتاج الريعي النفطي في الاقتصاد الريعي هم فئة قليلة من المجتمع وعادة ما تكون من موظفي الدولة لأنه وكما ذكرنا في خصائص الاقتصاد الريعي ان الدولة هي المتحكمة في الاقتصاد، اي تسيطر على الريعي النفطي وتقوم بعملياته الاقتصادية من استكشاف وتنقيب وانتاج وتسويق وتصدير، والفئة الأكبر (وليس المجتمع بأكمله) تقوم باستلام الريع النفطي عبر وساطة الدولة من خلال ادواتها المالية المتمثلة بالإنفاق والاقراض وتخفيض الضرائب.

– ان جمود الجهاز الانتاجي الوطني وعدم تلبيته لمتطلبات المجتمع سواء من حيث فرص العمل او من حيث السلع والخدمات التي ينتجها من جانب وهيمنة القطاع الريعي النفطي المُسيطر عليه من قبل الدولة على الاقتصاد المحلي من جانب الثاني، جعل غالبية المجتمع بحاجه إلى إشباع حاجاته سواء من فرص العمل أو السلع والخدمات، والذي قام بتغطية جزء من هذه الاحتياجات وخصوصاً السلع والخدمات هو الاقتصاد الريعي اي ان الدولة تقوم بإنفاق الريع على المجتمع حتى تسد جزء من احتياجاته مع التغاضي عن خلق فرص العمل عبر تفعيل جهاز الانتاج الوطني لأنها تعلم إن خلق جهاز انتاج وطني قادر على استيعاب الايدي العاملة سيؤدي إلى إخلاء ساحة الدولة من التابعين وهذا ما لا ترغبه الدولة وبهذا خلقت مجتمعاً ريعياً بامتياز.

– وكنتيجة لارتفاع اجور العاملين في القطاع العام بشكل عام وحصولهم على الضمان التقاعدي مع عدم توفر هذا الاخير لدى العاملين في القطاع الخاص جعل أغلب المجتمع آماله معلقه على الدولة عسى وأن تحن عليه بفرصة عمل حتى يتنعم بأجورها وضمانها التقاعدي وسواء حصل عليها أم لا فهو دخل ضمن المجتمع الريعي لأنه ينتظر الدولة التي تقوم على الريعي النفطي بالأساس.

التوصيات

1- تحويل الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد انتاجي، وذلك من خلال توفير المناخ المشجع للمستثمرين على الاستثمار في القطاعات الانتاجية.

2- الاهتمام بترتيبات ووسائل تحقيق العدالة الاجتماعية فيما يخص الثروة الوطنية العامة كإنشاء الصندوق السيادي مثلاً.

3- تفعيل القطاع الخاص وعدم اقصاء الدولة بالكامل أي لابد أن تأخذ دور الاشراف والموجه للقطاع الخاص.

4- تشجيع المجتمع على تكوين المنظمات المدنية والمؤسسات المتعلقة بمراقبة ومتابعة دور الدولة فيما يخص الثروات الوطنية.

5- الاهتمام برأس المال البشري وذلك من خلال الاهتمام بالتربية والتعليم والصحة وما يتعلق بحقوقهم السياسية والاقتصادية بشكل عام.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2018

أثر العولمة على التمتع بكامل الحقوق والحريات

 للعولمة معنى متفق عليه بوصفها ظاهرة جعلت من العالم بأسره كالقرية الصغيرة بفضل التكنولوجيا المتطورة التي طالت وسائل الاتصال والإعلام، وما تقدم اعتمد بالدرجة الأساس على أدوات متمثلة بالأقمار الصناعية والقنوات الفضائية والانترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها كثير، وفنياً هي تعني توحيد القوانين وإزالة الحواجز بين الدول والثقافات العالمية وقد بدأت العولمة عملياً بالجانب الاقتصادي وطالت بعده كل الجوانب الثقافية والاجتماعية والسياسية والقانونية وغيرها، إذ عولمة الاقتصاد تعني سيادة نظام اقتصادي واحد يتمثل بالاقتصاد الحر والذي يقوم على حرية التجارة ورؤوس الأموال والاستثمار والعولمة على المستوى السياسي تعني الأنظمة الحاكمة الحرة التي تؤمن بحقوق الإنسان وقيمه الأساسية المتمثلة بحرية التفكير والتعبير والتأثير في الحياة العامة بكل صورها وتجلياتها عبر نظام ديمقراطي.

 وتؤثر العولمة على الثقافة وتعني التمازج والتلاقح الحضاري، بيد أن المفهوم المتقدم أضحى نظرياً بسبب انتشار الأفكار الشعوبية والكبوات التي شهدتها مفاهيم العولمة لاسيما الانحرافات الفكرية التي طالت قيمها الأساسية، الأمر الذي يدعونا إلى التساؤل هل تراجعت المفاهيم التي قامت عليها العولمة؟ هل حققت العولمة أهدافها المتمثلة بإشاعة مبادئ حقوق الإنسان؟

 وللإجابة نقول إن التراجع عن بعض المفاهيم الإنسانية للعولمة غدا واضحا وعلى أكثر من صعيد وللتدليل على ما تقدم نسوق الأمثلة التالية:

أولاً/ البعد الاقتصادي:

 تشكلت شركات عبر الوطنية ومؤسسات إنتاجية انتقلت من بلد إلى آخر بحثاً عن اليد العاملة والمواد الأولية منخفضة التكلفة على حساب الحق في العمل وفق شروط عمل عادلة وظروف عمل مؤاتية، أي تمت التضحية بالعمال والبيئة ومستقبل البلد، إذ تتسابق هذه الشركات في نهب خيرات البلد واستغلال عمالته الرخيصة وتبعث سموم مصانعها لتفسد البيئة مستغلة تخلف التشريعات وهشاشة الرقابة والفساد المستشري في أنظمة الحكم التي تسمح بمثل هذه المهزلة باسم اجتذاب الاستثمارات ومن الواضح إن هذه الشركات ستحرص على تخلف هذه البلدان لتستمر بعملها اللاإنساني. كما إنها تسببت بتخلف المشاريع الصغيرة والأعمال الشخصية للعاملين في القطاعين الزراعي والصناعي بسبب المنافسة غير المتكافئة.

ثانياً/ البعد الاجتماعي:

 أثرت العولمة على القيم الاجتماعية الراسخة ومنها مكانة الأسرة بوصفها المكون الأساس للمجتمع واللبنة الأولى فيه والمصنع الذي منه يتخرج الأفراد الصالحون فقد أهينت المرأة والأب باسم الحرية وتزعزعت قيم الجوار واحترام الغير وحقوقه وسادت في العديد من المجتمعات ظاهرة التنمر الالكتروني وإفساد الأخلاق عبر الوسائل التقنية الحديثة والتي تستهدف الإناث بشكل عام والصغار من الذكور فانعكست على مجمل الحياة الاجتماعية.

رابعا \ البعد الصحي:

 قاد الطمع والجشع الشركات المنتجة إلى اعتماد التقنيات الحديثة لاسيما التعديل الوراثي في المنتجات الزراعية وما يحمل من مخاطر على صحة الإنسان، وشركات الأدوية الوهمية وتلك الرائدة في مجال الغش الصناعي والتي وجدت من الفضاء الالكتروني ضالتها للتسويق وللوصول إلى الضحايا في كل البلدان وتسهيل مهام نقل وتوزيع بضائعها الخطيرة.

خامساً/ البعد البيئي:

 تسببت المصانع الكبرى والاستغلال البشع لمصادر الطاقة إلى ظاهرة الاحتباس الحراري وما رافق ذلك من تغيرات أثرت بشكل خاص على القطاع الزراعي والصناعي في البلدان الفقيرة والنامية، وحين أبرمت الدول اتفاقية باريس 2015 لمعالجة آثار ذلك بادر الرئيس الأمريكي إلى الانسحاب منها عام 2017.

سادساً / البعد المالي:

 تحرص المؤسسات المالية العالمية ومنها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى فرض شروط صارمة على البلدان المستدينة ومنها العراق ما ينعكس سلباً على معيشة الأفراد لاسيما الفقراء برفع الدولة الدعم عن السلع والخدمات الأساسية أو زيادة مبالغ الضرائب والرسوم وغيرها من الإجراءات التي تتخذ لإرضاء المؤسسات المالية الدائنة.

سابعاً/ البعد الأمني:

 انتشرت على نطاق كبير جداً الجرائم السبرانية والتي أخذت أشكالاً متعددة وصوراً غاية في الخطورة على أمن الفرد والمجتمعات فبعض العصابات قادرة على النفوذ للمعلومات والبيانات الشخصية وانتهاك خصوصية الفرد، كما ان المواقع والقنوات الفضائية العابرة للحدود تبث الفساد أو المادة الإعلامية المغلوطة أو الأفكار الهدامة والمنحرفة عن القيم الإنسانية ليل نهار.

ثامناً/ الاتصالات:

 أثرت عولمة الاتصالات في الحقوق والحريات إذ تحولت بعض المؤسسات إلى شركات عملاقة تخزن بيانات ملايين البشر وتتلاعب بها كيف تشاء وتأييدا لما ذكرنا يمكن مراجعة الغرامات الأوربية والعقوبات التي فرضت على شركة غوغل مثلاً بسبب مشاكل تخص المستخدمين.

تاسعاً/ البعد الثقافي:

 تحاول بعض الجماعات والجهات فرض سلوك ثقافي معين أو الترويج له بغية التأثير التدريجي في المجتمعات لاسيما تلك التي تستهدف فئة الشباب فالترويج لمفاهيم الإباحية والمثلية وغيرها تختطف الشاب من أسرته وتلقي به في أحضان السلوكيات الشاذة، كما وقد استغلت الفجوة الثقافية بين الشعوب لمصلحة البلدان المتقدمة أو المتحكمة بوسائل التأثير في الرأي العام العالمي والوطني، وجرى التعامل مع الحق في الرأي والتعبير بشكل انتقائي ما تسبب في اندثار مفاهيم حضارية وثقافية.

عاشراً/ البعد الأخلاقي:

 نجد الانتقائية في التعامل ودليل ما تقدم التنصل عن مبادئ حقوق الإنسان التي طالما تغنت بها بلدان الغرب في أزمة المهاجرين الأفارقة والسوريين وما سجله البحر المتوسط من آلاف الحوادث المؤسفة التي يتعرض لها المهاجرون يومياً فضلا عن معسكرات الاحتجاز والترحيل القسري وآخرها فصل الأبناء عن ذويهم في الولايات المتحدة وغيرها كثير، وقد استغلت أزمة الهجرة التي تعد جزء من عالم معولم لارتكاب أبشع جريمة متمثلة في الاتجار بالبشر أو الأعضاء البشرية والجنس.

حادي عشر/ الحكم الرشيد:

 ارتبط مفهوم العولمة بضرورة ترسيخ الحكم الديمقراطي الصالح وتدخلت العديد من الدول وكذا الأمم المتحدة في شؤون دول بعينها تحت ذريعة حقوق الإنسان ومقارعة الحكم الدكتاتوري، بيد إن الواقع يكشف لنا أن الفساد ضرب عميقاً في جذور الأمم المتحدة ذاتها والبلدان الراعية لحقوق الإنسان أو المتبجحة بدعمها للحكم الديمقراطي وبرنامج النفط مقابل الغذاء والدواء خير شاهد على ما نقول، كما وان النظام الضريبي والمصرفي وازدواج الجنسية سمح للفاسدين بنهب أموال الشعوب والإفلات من العقاب.

ثاني عشر/ التجارة الدولية غير المنصفة:

 والتي تتمثل بمبيعات السلاح والمواد مزدوجة الاستخدام والتي تباح لبعض الدول مع العلم إنها تستبيح شعوبها أو شعوب دول أخرى تقصفها صباحاً ومساءً بكل الأسلحة وتتدخل بشؤون دول وتهدد استقرارها وتتسبب بمقتل أفراد شعبها، بل الأنكى إن الكثير من هذه الدول صارت تستخدم المرتزقة بشكل غير مباشر من خلال دعم الجماعات الإرهابية والتجربة العراقية خير دليل فخلال أسابيع حصل مجرمو داعش على آلاف السيارات الحديثة وأطنان من الأسلحة الثقيلة والمتوسطة المتطورة.

في النهاية يمكننا القول ان العولمة كأي حلم ولد ليحيى حياة كريمة إلا إن الظروف قادته إلى الموت في المهد وما تبقى مجرد مبادئ نظرية فارغة من المحتوى الحقيقي.

……………………………….

** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2018

الحق في المياه في ضوء القانون الدولي لحقوق الإنسان

إن الماء مورد طبيعي محدود، وسلعة عامة أساسية للحياة والصحة. وحق الإنسان في الماء هو حق لا يمكن الاستغناء عنه للعيش عيشة كريمة. وهو شرط مسبق لإعمال حقوق الإنسان الأخرى. وحق الإنسان في الماء يمنح كل فرد الحق في الحصول على كمية من الماء تكون كافية ومأمونة ومقبولة، ويمكن الحصول عليها مادياً كما تكون ميسورة التكلفة لاستخدامها في الأغراض الشخصية والمنزلية. فتوفير كمية كافية من الماء المأمون هو أمر ضروري لمنع الوفاة، بسبب فقدان جسم الإنسان للسوائل، والحد من مخاطر الإصابة بأمراض منقولة بالمياه، كما أنه ضروري للاستهلاك والطهي والمتطلبات الصحية الشخصية والمنزلية.

 حيث تفيد منظمة الصحة العالمية بأن الشخص يحتاج إلى كمية تتراوح بين ٥٠ لتراً و١٠٠ لتر في اليوم لضمان الوفـاء باحتياجاته الأساسية، ولتجنب نشوء الكثير من المخاوف الصحية. ويمثل الحصول على كميـة قدرها من ٢٠-٢٥ لتراً للشخص في اليوم حدا أدنى، ولكن هذه الكمية تثير بعض الشواغل.

 ولكن ليست مشكلة الحصول على المياه الصالحة للاستهلاك البشري، مشكلة تتعلق بدولة دون دولة، ولا منطقة دون منطقة، ولا مجموعة دون أخرى، بل هي مشكلة عامة وعالمية تكاد أن تطال جميع الدول والمناطق والجماعات والأفراد إلى حد ما، وفي أوقات مختلفة. فبحسب إحصاءات الصحة العالمية (لا يستطيع أكثر من بليون شخص الحصول على الإمدادات الأساسية للمياه، بينما لا تتوفر لعدة بلايين من الأشخاص مرافق صحية مناسبة، وذلك هو السبب الأول لتلوث المياه والإصابة بأمراض منقولة بالمياه، ويؤدي استمرار تلوث المياه واستنفادها وتوزيعها بصورة غير عادلة إلى تفاقم الفقر السائد) ويمكن تتبع جذور الأزمة الحالية في المياه والصرف الصحي إلى الفقر وانعدام المساواة، وعلاقات القوى غير المتكافئة، وتـزداد هذه الأزمة تفاقما بفعل التحديات الاجتماعية والبيئية كتسارع التحضر، وتغير المناخ والتلوث المتزايد، واستنفاد الموارد المائية.

 وقد أدرك المجتمع الدولي بصفة متزايدة أنه، في سبيل التصدي لهذه الأزمة، لا بد من النظر في إمكانيات الحصول على مياه الشرب المأمونة، وخدمات الصرف الصحي ضمن إطار يقوم على حقوق الإنسان. وبناء عليه، وفي عام ٢٠٠٢، اعتمدت لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافيـة التابعة للأمم المتحدة تعليقها العام رقم (١٥ ) بشأن الحق في المياه، الذي تعرّفه بأنه حق كل فرد في (الحصول على كمية من الماء تكون كافية ومأمونة ومقبولة، ويمكن الحصول عليها ماديـاً وميسورة مالياً لاستخدامها في الأغراض الشخصية والمنزلية)، وفي عام ٢٠٠٨، استحدث مجلس حقوق الإنسان ولاية (الخبير المستقل المعني بمسألة التزامات حقوق الإنسان المتعلقة بالحصول على مياه الـشرب المأمونـة وخدمات الصرف الصحي) ليساعد على توضيح نطاق هذه الالتزامات ومضمونها.

وقد تزايد الاعتراف كذلك في المعاهدات الرئيسية لحقوق الإنسان بالتزامات محـددة فيما يتعلق بإمكانيات الحصول على مياه الشرب المأمونة ومرافق الصرف الـصحي، وذلـك بصفة رئيسية كجزء من الحق في مستوى معيشة ملائم والحق في الصحة.

 كما توفر عدة دساتير وطنية الحماية للحق في المياه أو تنص على المسؤولية العامة للدولـة عن ضمان سبل الحصول على مياه الشرب المأمونة وخدمات الصرف الـصحي للجميع، وكذلك فصلت بعض المحاكم التي تنتمي لنظم قانونية مختلفة في قضايا متعلقة بالتمتع بالحق في المياه، فتناولت مسائل مثل تلوث موارد المياه، أو قطعها بصورة عـشوائية وغـير قانونيـة، أو عدم توافر إمكانية الوصول إلى الصرف الصحي.

ورغم عدم الاعتراف بالمياه صراحة كحق مستقل من حقوق الإنسان في المعاهـدات الدولية، فإن القانون الدولي لحقوق الإنسان تترتب عليه التزامات محددة فيما يتعلـق بـسبل الحصول على مياه الشرب المأمونة. وتقتضي هذه الالتزامات من الدول أن تكفل لكل شخص إمكانية الحصول على كمية كافية من مياه الشرب المأمونة للاستخدامات الشخصية والمنزلية، التي يُقصد بها استعمال المياه لأغراض الشرب، والصحة الشخصية، وغسل الملابس، وإعـداد الطعام، والنظافة الصحية الشخصية والمنزلية. وتقتضي هذه الالتزامات أيضاً مـن الـدول أن تكفل تدريجياً سبل الوصول إلى الصرف الصحي الملائم، بوصفه عنـصراً أساسـياً لكرامـة الإنسان وخصوصيته، على أن تحمي أيضاً نوعية إمدادات مياه الشرب ومواردها.

والحق في المياه الذي يدعو له المجتمع الدولي يتضمن ما يأتي:

1- إن الحق في المياه يتضمن حريات: وتشمل هذه الحريات الحماية من الانقطاعات العشوائية وغير القانونية؛ وحظر التلويث غير المشروع للموارد المائية؛ وعدم التمييز في الحـصول على مياه الشرب المأمونة وخدمات الصرف الصحي، ولا سيما علـى أسـاس حالـة الأرض أو السكن؛ وعدم إعاقة سبل الوصول إلى الإمدادات الموجودة من المياه، وخاصة إلى مصادر المياه التقليدية؛ وضمان عدم تعرض الأمن الشخصي للتهديد عنـد محاولـة الوصول إلى المياه أو مرافق الصرف الصحي خارج المنزل.

2- إن الحق في المياه يتضمن استحقاقات: وتشمل هذه الاستحقاقات الحصول على حد أدنى من كميات مياه الشرب المأمونة للحفاظ على الحياة والصحة؛ والحصول على مياه الـشرب المأمونة وخدمات الصرف الصحي في أماكن الاحتجاز؛ والمشاركة في اتخـاذ القـرارات المرتبطة بالمياه والصرف الصحي على الصعيد الوطني وصعيد المجتمعات المحلية. أي يجب أن تكون إمدادات المياه لكل شخص كافية ومستمرة لتغطيـة الاسـتخدامات الشخصية والمنزلية، التي تشمل المياه لأغراض الشرب، وغسل الملابس، وإعداد الطعام، والنظافة الصحية الشخصية والمنزلية. أما الاسـتخدامات المنزلية الأخـرى للميـاه، كاستخدام المياه لحمامات السباحة أو البستنة، فلا تدخل ضمن نطاق الحق في المياه.

3- أن تكون المياه المستخدمة في الأغراض الشخصية والمنزلية مأمونـة ومقبولـة: فوفقاً للتعليق العام رقم (١٥) يجب أن تكون خالية مـن الكائنـات الدقيقـة، والمـواد الكيميائية والمخاطر الإشعاعية التي تشكل تهديدا لصحة الشخص. وفضلاً عن ذلك، ينبغي أن يكون الماء مقبولاً من حيث اللون والرائحة والطعم ضماناً كي لا يلجأ الـشخص إلى بدائل ملوثة قد تبدو أكثر جاذبية. وتنطبق هذه الشروط على جميع مصادر توفير المياه، بما في ذلك مياه الأنابيب والصهاريج والمياه التي يوفرها الباعة والآبار المشمولة بالحماية.

وتعرّف سلامة مياه الشرب عادة من خلال معايير وطنية و /أو محلية لنوعيـة ميـاه الشرب. وتوفر المبادئ التوجيهية لنوعية مياه الشرب الصادرة عن منظمة الـصحة العالميـة أساسا لإعداد المعايير الوطنية التي من شأنها أن تكفل، في حال تطبيقها بالـشكل الـسليم سلامة مياه الشرب.

4- تأمين الوصول

المادي إلى مرافق المياه والصرف الصحي: ويجب أن تكون تلـك المرافق على مسافة مأمونة في متناول جميع القطاعات السكانية، مع أخـذ احتياجـات الفئات الخاصة بعين الاعتبار، ومنها المعوقون والنساء والأطفال والمسنون. مع أن الحق في المياه لا يعني حصول الجميع على المياه ومرافق الصرف الـصحي في منازلهم، فهو يقتضي أن تكون هذه المرافق بالقرب من كل منزل أو على مسافة معقولة منـه.

 وينبغي أيضاً توفير المياه والصرف الصحي في المدارس والمستشفيات، وفي أماكن العمـل، وفي مراكز الاحتجاز، كما ينبغي توفيرها في مخيمات اللاجئين والمشردين داخلياً. وفي تقرير التنمية البشرية لعام ٢٠٠٦ أن إمداد الأسرة المعيشية المنتظم بالمياه النقية عن طريـق الأنابيب هو النوع الأمثل لتوفيرها لأغراض التنمية البشرية. كما أن الحصول علـى كميـة منتظمة من المياه داخل المنزل يزيل ضرورة أن تقضي النساء والأطفال الوقت، وأن يـستنفدوا الجهد البدني في جلب المياه من مصادر بعيدة.

5- أن تكون تكلفة خدمات المياه في متناول الجميع: فلا ينبغي أن يحرم أي فـرد أو جماعة من الحصول على مياه الشرب المأمونة بسبب العجز عن دفع تكلفتها. وبناءً على ذلك، ينبغي ألا تحول جميع التكاليف المباشرة وغير المباشرة المرتبطـة بالميـاه والصرف الصحي دون حصول أي شخص على هذه الخدمات وألا تضر بقدرته على التمتـع بحقوق الإنسان الأخرى، كالحق في الغذاء أو التعليم أو السكن اللائق أو الـصحة. ومتطلبـات تحمّل التكاليف المعقولة تبين أن استرداد التكلفة لا ينبغي أن يصبح عائقاً دون الحصول على مياه الشرب المأمونة والصرف الصحي، ولا سيما بالنسبة للفقراء. وعلى سبيل المثال، يقترح البرنامج الإنمائي أن يكون المعيار في هذا الصدد نسبة ٣ في المائة من دخل الأسرة المعيشية.

وفي ضوء ذلك، تنقسم التزامات الدول وبحسب الأمم المتحدة إلى ثلاثة أنواع من الالتزامات، وهي على وجه التحديد الالتزام بالاحترام، والالتزام بالحماية، والالتزام بالنافذ:

1- الالتزامات بالاحترام: إن الالتزام بالاحترام يقتضي أن تمتنع الدول عن التدخل المباشر أو غير المباشر في التمتـع بالحق في المياه. وعلى سبيل المثال، ينبغي أن تمتنع الدول عن: تلويث موارد المياه؛ أو قطع خـدمات المياه والصرف الصحي بطريقة تعسفية وغير قانونية؛ أو الحد من توفير مياه الشرب المأمونـة للأحياء الفقيرة من أجل تلبية الطلب في المناطق الأكثر ثراء؛ أو تدمير الخـدمات والهياكـل الأساسية للمياه كتدبير عقابي خلال النزاع المسلح؛ أو استنفاد الموارد المائية التي تعتمد عليها الشعوب الأصلية لأغراض الشرب

2- الالتزام بالحماية: يقتضي الالتزام بالحماية من الدول أن تحول دون تعدي أطراف ثالثـة علـى الحـق في المياه. وينبغي أن تعتمد الدول تشريعات أو تدابير أخرى لضمان امتثال الجهات الخاصة، كالصناعة أو موردي المياه أو الأفراد مثلا، لمعايير حقوق الإنسان المرتبطة بالحق في الميـاه. فعلى سبيل المثال، ينبغي للدول أن تعتمد التدابير التشريعية الضرورية وغيرها من التدابير اللازمة لضمان عدم قيام أطراف ثالثة بقطع خدمات المياه والصرف الصحي تعسفاً وعلى نحو غير قانوني؛ وحماية المجتمعات المحلية من قيام أطراف ثالثة علـى نحـو غـير مـستدام باستخراج الموارد المائية التي تعتمد عليها هذه المجتمعات لأغراض الشرب؛ وعدم تعـرض الأمن الشخصي للنساء والأطفال للخطر عند ذهابهم لجلب المياه أو استخدام مرافق الصرف الصحي خارج المنزل؛ وألا تمنع القوانين والممارسات المتعلقة بملكيـة الأراضـي الأفـراد والمجتمعات المحلية من الوصول إلى مياه الشرب المأمونة؛ وعدم مساس الأطراف الثالثة الـتي تتحكم في خدمات المياه أو تديرها بإمكانية الحصول مادياً على ما يكفي من مياه الشرب المأمونة على قدم المساواة وبتكلفة معقولة.

3- الالتزام بالإنفاذ: ويقتضي الالتزام بالإنفاذ من الدول أن تعتمد التدابير التشريعية والإداريـة والخاصـة بالميزانية والقضائية والترويجية وغيرها من التدابير من أجل الإعمال الكامل للحق في المياه. ويجب على الدول، في جملة أمور، أن تعتمد سياسة وطنية بشأن المياه من شأنها إيلاء الأولوية في إدارة المياه للاستخدامات الشخصية والمنزلية الأساسية؛ وتحديد الأهداف الخاصـة بتقديم خدمات المياه، مع التركيز على الفئات المحرومة والمهمشة؛ وتحديد المواد المتاحة للوفـاء بهذه الأهداف؛ وتحديد أكثر طرق استخدامها فعالية من حيث التكلفة؛ وبيان المـسؤوليات والإطار الزمني لتنفيذ التدابير الضرورية؛ ورصد النتائج والنواتج، بما في ذلك ضمان الـسبل الملائمة للانتصاف من الانتهاكات.

……………………………….

** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2018