لا أدعى أنى قد عرفته قبل اليوم ، أو قرأت شيئا من شعره ، و أظن أيضا أن كثيرين من القراء لم يصادفوا خبرا عنه أو له ، فمن الجلى أن آلة الإعلام الجبارة قد ظلمته و طمست كل ما يمت له بصلة ، و كم أدهشنى قدر موهبته و اتكائه على تراث عريق من الثقافة و الحضارة معا ، و أحسبنى الآن أغبط نفسى اذ تداركت هذه الخطيئة الفادحة ، و قد ظفرت بشاعر بهذا الحجم و تلك القدرة المقتحمة ، و ظللت لساعات أبحث عن سبب واحد لتجاهل الدارسين و النقاد له فلم أجد ذلك السبب ، و أخيرا هدانى عقلى المرهق لداع وحيد و باطل فى آن و هو كونه أحد أفراد العائلة المالكة السابقة فى ليبيا ، يضاف إلى ذلك فيما أعتقد حرصه على كبريائه و عدم تزلفه و السعى المهيض خلف الدعاية المقيتة التى تستهلك غيره.
و عندما حاولت جمع بعض المعلومات المتاحة عنه لم تسعفنى أية موسوعة بأكثر من سطرين ، أسجلهما فيما يلى طبق الأصل ليكونا برهانا على غبنه و إقصائه المتعمد و بقسوة .
( البلد:ليبيا
تاريخ ميلاده :1938 ميلادي
راشد الزبير أحمد الشريف السنوسي
ولد في مدينة ((مرسى مطروح )) عام 1938
تخرج في كلية الآداب و التربية بالجامعة الليبية
عمل في التعليم و الإعلام )
من دواونيه :
(( قثيارة الخلود )) 1963
(( رسائل إلى زوجتي )) 1999
هم الشفاه 1999 .
و الآن مع اختيارات غير منتقاة للشاعر العربى راشد الزبير السنوسى ، للتأكيد على قيمته الأدبية و القومية :
مللنا نشرة الأخبار= و الأخبار ملَتنا
وصار الصُبح ينعانا =لليل فيه قد متنا
وصرنا في فم الأحدا=ث ملهاة فعاقتنا
وفي استجدائنا الأبوا=ب لم تأبه وصدَتنا
وقوفا عندها نشكو =ونطلب عونها تارة
لتحمينا وتنصرنا =فإسرائيل غدارة
وما يوما شكوا أنا =شننَا فوقهم غارة
ولا ردَت مدافعنا =على تدمير بيَارة
ولا احترقت سماؤهمُ =بحقد أجَحوا ناره
ولم نترك فدائيا =على درب قد اختاره
نرصَع دربه شوكًا =ويمشي طالبًا ثاره
ولو صدَت مناه المو=ت أطعم نارها ناره
هواك الذي لم تسعه العيونْ= وحبك ناء به العاشقونْ
أيا قطعةً من جنان السماء =سقتها الهوى، وحبتها الفتون
أحبك ما رف بين الضلوع =حنينٌ لماضيك يحني الجبين
فأنت الجمال ، ومنك الإباء =وحولك قد درَج الخالدون
وأرضك تاريخها في الكفاح= ملاحم سطرها الظافرون
نسيجًا من البذل و المكرمات= ومجدًا يتيه على العالمين
بني غازي يا لك من غادة= تحدت على الدهر ظلم السنين
تنام تهدهدها الموحيات =وتسري بأحلامها في سكون
وتصحو فيحضنها البحر شوقًا= وفي موجه لحن حب دفين
ويسري لآفاقها البدر حتى= يمني هواه بقلب حنون
وعطر تعلق في نسمة سرت= في الفويهات بالياسمين
فقل للتي بادلتني الحديث =رقيقًا كترنيم طير حزين
رويدك يا حلوتي فالقلوب =لكم خفقها رغم ما تنكرين
وكم كابدت من عتاب الصحاب =وقد هجرت فيكم الأقربين
ولكنني لست أنسى البلاد =فحبي لها فوق ما تعلمين
فلا تجرحي شاعرًا في هواه =لكي لا يريك الذي تنكرين
وإن كان سَوّاك يا من أحب =بأرض نمته فعز مكين .
سيداتي سادتي و سبحنا خلف ذاك= الصوت الندي الطروب
و استعادت أسماعنا خفقة الحرف= نداءً يسمو بأفق رحيب
دغدغت حسّنا بأحلى من الشدو= فشب الهوى بغافي القلوب
نقلتنا عبر العيون الجميلا=ت إلى عالم بعيد حبيب
فيه تحلو الرؤى و ينطلق =الحُلْم لينساب جدولاً من طُيوب
و استثارت عواطفاً و عيو=ناً حينما أقبلت بقدّ لعوب
مر كالحلم في غلالة عطر =كملاك يزهو بثوب قشيب
فبدا راعش الخطى حائر =الخطو يُغشّي خديه وقدُ اللهيب
و ابتساماته تَندّى بها الجو= و في مقلتيه سحر الغروب .
يظل يحاصرني حزنه= و حرقته كلما قد كتبتْ
ويؤلمني أنه مفردٌ يصا=رع حقداً ويطويه صمتْ
يظل بكل الشرايين نبضاً= يزلزل صدريَ في كل وقتْ
ويَجْبَه غطرسة المعتدين =بكل عنادٍ ويجـتث مقتْ
لماذا يصرّون أن يهزموه =وأن يخنقوه بهذا الحـصارْ
وتسعى الجنادب محمومة =بأحقادها كي تشق الجـدارْ
لماذا على النخل أن ينحني= خضوعاً ويخفرذاك الجوارْ
ليوقـف دجـلة ترحالـه =وتذوي الحياة بتلك الديـارْ
مصيبتهم أنـهم دائماً إذا= قـدّروا يـخطئون الحسـابْ
ولا يدركون لإجرامهم بأن= لـدى الغـير فصل الخـطابْ
فبغـداد لو ضربت مرةً =فبالعزم سوف تعـيد الخـضابْ
وتطلـع فجـراً يخـافونه= تناسـل بين حطـام القبـابْ
يؤذن في (الكرخ) مستنهضاً =فتصحو (الرصافة) و(الأعظميةْ)
ويعلو المثنى على جرحـه= يقـود الجموع إلى القادسيةْ
فهذا العـراق ولمّـا تـزل =بأعماقـه للسـيوف بقيـةْ
سيرفض أن يشـتري عيشه= بترك حمـاه لديـهم سبيةْ
يصـارع زحف الغزاة بصبرٍ= على ضفتيه وما من سـندْ
ولم يلقَ عوناً سوى هـادرٍ =يِؤخـر رجـلاً وما مـدّ يـَدْ
كأن لم تكـن حـوله أكبـد =سقاها نـداه بما قـد أعـدْ
فتعساً لمن ينكرون الجميل= إذا طلـب العون منهم أحـدْ
ويا دجـلة الخير لو أنّ لي= جنـاحاً لطـرت إليكم مـددْ
يـؤرقني أن أرى نـزفـكم =ومَنْ حولكم كرمادٍ خمـدْ
يهدّد جند الصليب العـراقَ= ونحن نبـارك يوم الأحـدْ
وتبدو الحـراب بأحقـادها =مصوّبةً نحـو ذاك الجسـدْ
وفيه طهارة جـرح الحسـين= وثأر الإمام وطهر البـلدْ
فيا منْ تذيبون أكبـادكـم= بكـأس و تفتقـدون الرشَـدْ
أفيـقوا ـ لعِنتم ـ ولو مرةً =وصبوا العزائمَ جمراً يقـدْ
وإلاّ فطوفان نـوحٍ سيـأتي =عليـكم ليصبح نعْـمَ القَوَدْ
سوف يصعد.. أ وَ يخشى= الليل والأنواء فرقد..؟ .
خبأتها فأبت عليك =وتفتحت في وجنتيك
تلك الورود وحسبها =أن صار مرفؤها يديك
رحلت مع الأحلام يغريها =الهوى في ناظريك
فضممتها .. وحبتك أغنية= تدغدغ مسمعيك
وتجيل في خديك في= شفتيك ما أهدت إليك .
أحبك لو أنصف العاذلون= لكنت بدنياي أحلى نغم
أحبك لو تنصف الكبرياء= وتصغي – ولو مرة –للقسم
أحبك أقسم بالمقلتين =تجلى بأعماقهن الألم
كنبعين يختزنان الأنين= يراوح صفوهما المبتسم
بثغر ترف عليه الأماني= ظماء فيصرعها في شمم
أحبك ..لفظ يذيب الشفاه= إذا فوق بسمتهن ارتسم
أحبك لو جمح الملهمون= لصوّرك الوهم وحيا لهم
أحبك يكفيك أن قلت عمري= تعلق ما بين لا ..أو نعم
أحبك لو جسدَتها الحروف= لتاه الزمان يراعًا .. وفم .
قالت وجال بحدقتيها =الحزن .. واحتبس البكاءْ
وتقلص الوجه الجميل= فلا دماء.. و لا رواءْ
وتناثر الشعر المعربد= حيثما انطلق الهواءْ
أنا من أكون؟.. وهذه =الأقدار تفعل ما تشاء
أ أسيرة تلقى الحياة= ولا معين ولا رجاء
قوْمي .. ومن قوْمي =سوى الأشلاء ينثرها الفناء
وزنود إخواني= يكبلها المعوق .. والعياء
والأرض والشرف =الرفيع جميعها صارت طلاءْ
يتمرغ الدخلاء في =بيتي ويؤويني الخلاء
وقنابل النابلم تقصف =في المدائن كالقضاء
ونصيح كالجرذان مذعو=رين يا رب السماء
ادفع عن الضعفاء =والأنضاء أسباب البلاء
ونظل نحلم بالثواب= وبالحياة بلا عناء
ونظل نحلم أن =تباركنا السما.. يا للغباء
حقا بأن الله يملك= أن يقرر ما يشاء
لكنه لا يمنح الجبن=اء أسباب البقاء
فالمؤمن الأقوى= أحب لربه يوم اللقاء
من ذلك الرعديد لا= عزمٌ لديه ولا مضاء
والشعب مزقه التآمر= والصياح والادعاء
وزعيق أبواق الدعاية= سممت صافي الهواء
فاليوم أخبار الصباح =تجيل في النفس العزاء
وغدا بأسطر نشرة =الأخبار ينتعش المساء
ومن الصباح إلى المسا =ومن الصياح إلى البكاء
شحبت وجوه الصا=مدين المجهدين من العناء
كفر الذين تحركوا =يومًا ليندفع الفداء
فلتسمعي يا حلوة =النبرات أصوات الوفاء
وضنينةٌ فيما يراوح= مسمعيك بلا انتهاء
المرجفون يساومون= على الفداء بلا حياء
ومهرجون تقيؤوا =المدح الكذوب لمن أفاء
إن جاء يسبقه الثنا أو= عاد شيعه الدعاء
وجباههم من طول ما =سجدت تهيم بالانحناء
تهوي بهم كفٌّ مهددةٌ =ويركلهم حذاء
وشعارهم لا عرف= لا أخلاق إلا ما يشاء
فهو الذي يهب الحياة،= ويمنح الأرض النماء
ويقسم الأرزاق والأعما=ر بينهمُ سواء
والله مما يدّعون =وينسبون له براء
وتذكري خوفي عليك= تذكري هذا النداء
ما يمحق اسرائيل ليس= هو التفجع والبكاء
ليس البلاغة في الحديث= وليس في لعق الحذاء
بل ثورة الفقراء فالفقرا=ء هم درع السماء .
كنتُ ما زلتُ بأحلا=مي الحميماتِ حفيّا
يوم قد همتُ مع الشعر= وعانقتُ الثريّا
عندها أمّلتُ أن نمضي= خطى العمر سويّا
وأزور الطيرَ في= الأوكار صبحاً وعشيّا
وأضمّ الوردَ أبقاه =الندى غضّاً طريّا
وأعبّ الكأسَ لا =أُبقي لمن يشتاق شيّا
وسبتْني الأعينُ النُّجْل= وأوهتْ جانحيّا
حيث حوّمتُ على= أفق بدا روضاً عفيّا
ناثراً شعري مع =الأنسام كالغيث شهيّا
وتوالتْ سنواتُ= العمر يا حلوَ المحيّا
كنتُ ألقى كنفاً =يملؤني عطفاً وريّا
كم تبادلنا حديثاً =عاصفاً أو عفويّا
وعتاباً صامتاً =يأخذ مني شفتيّا
ثم لا يُبقي سوى الودِّ= بعمق القلب حيّا
واحتملتِ الصادحَ= الجوّاب منهوماً شقيّا
فهو في الصبح =مشوقٌ وإذا أمسى خليّا
كنتِ قلباً قدّس =الحرفَ وإيثاراً نقيّا
لم تكوني القيدَ= والسجّان والسورَ العصيّا
بل فضاءٌ صار= للمبدع حلماً أبديّا
قلتِ لي إنكَ كالطائرِ= قد تمضي قصيّا
تذرع الآفاقَ أو تشدو= على غصنٍ مليّا
وتُناجي ها هنا أو =ها هنا وجهاً بهيّا
طِرْ كما شئتَ =وحلّقْ واملأِ الأفقَ دويّا
فأنا الوكرُ الذي =يمنحكَ العيشَ هنيّا
فلئن صغتكِ أبياتاً =وحلماً شاعريا
واصطفاكِ الشعرُ= نبعاً دائمَ البذل سخيّا
ومشى ذكركِ في =الآفاق كاللحن شجيّا
فلقد كنتِ سنا =الحرفِ الذي هزَّ يديّا .
لله ما أحلى سجو الغروبْ= إن لاح في الأفق القريب القريبْ
يضفي على الأجواء من روحه= نورًا يشيع الأمن بين القلوب
ويرسل الأنسام من خدره سكرى= نوافينا بعطر حبيب
أحبه رغم الذي قلته عنه.. وما =لا حظتَه من شحوب
أمّا الذي قد طار عن عشه= فعن قريب يا رفيقي يؤوب
فإلفه في صمته قابعٌ يكاد =من حزن عليه يذوب .
وتصدين وما أنسى هواك =والمعاذير .. وما حاكت يداك
والمنى تلهث في قائظة =تطلب الظل و تأبى مقلتاك
ومضى يشكو.. و في مهجته= أنةٌ.. تصحو على وقع خطاك
لم يهن في قلبه صفو الهوى =كيف تنسين رعا الله صباك
ذبلت فيها المنى واجفة حينما= زمت- جفاء- شفتاك
وهما ..يا لهما أنضجتا روح =غّريد شدا الكون هواك
ومشت في صدره أخيلة تشتهي=- لو مرة – تسخو يداك
أنت دنياي وإن ضيعتني كيف= أشكو لك أم فيك جفاك؟.
و هكذا يتضح لى و لمن يمر على هذه المقالة بكل مصداقية إلى أى حد يمكن لشاعرية مثل تلك أن تنحى من أجل أقزام يلهثون دون ملل وراء سراب و وهم كاذبين ، و يطلبون منا أن نعترف بفحولتهم و نتجاوز عن خوائهم الفاضح ، فكلا لن يفعل هذا أبدا من يحترم عقله و ثقافته و وطنه .
و انظروا معى كم هو مؤلم أن لا نعرف مثلا : هل راشد الزبير السنوسى لا يزال بيننا ، أم رحل لدار الحق ! .